-أتمنى دعم كأول مقالة لي -
الخيال... عدو الإنسان حين يتجاوز حدوده
ليس كل عدو يطرق الباب، وليس كل خطر يحمل وجهًا مخيفًا. بعض الأعداء يولدون في أكثر الأماكن هدوءًا؛ داخل العقل نفسه، حيث لا يراهم أحد ولا يسمع خطواتهم. هناك، في الزاوية التي تجلس فيها الأفكار، يبدأ الخيال في رسم عوالم كاملة لا وجود لها، ويمنحها من القوة ما يجعلها تبدو أكثر حقيقة من الواقع ذاته.
الخيال نعمة لا يمكن إنكارها. فهو الذي جعل الإنسان يبتكر، ويكتب الشعر، ويرسم اللوحات، ويبني الحضارات، ويحلم بما لم يكن موجودًا ثم يحوله إلى حقيقة. لكن كل نعمة إذا خرجت عن حدودها انقلبت إلى نقمة. وهنا يتحول الخيال من جناحين يحملان الإنسان إلى السماء، إلى سلاسل تقيده في قاع نفسه.
الإنسان لا يعاني دائمًا مما يحدث له، بل يعاني غالبًا مما يتخيل أنه سيحدث. يقضي ساعات طويلة وهو يبني سيناريوهات لم تقع، ويحاور أشخاصًا لم يقولوا ما يتوقعه منهم، ويعيش مواقف لم تأتِ بعد، ثم ينهك نفسه بالحزن والخوف والغضب وكأن كل ذلك قد حدث بالفعل.
إن أخطر ما في الخيال أنه لا يحتاج إلى دليل. يكفيه احتمال صغير حتى يبني عليه مدينة كاملة من الظنون. كلمة عابرة قد تتحول في ذهن الإنسان إلى إهانة مقصودة، وتأخر رسالة قد يصبح علامة على الكراهية، ونظرة صامتة قد تُفسر على أنها احتقار. وهكذا يصبح الإنسان أسيرًا لما صنعه عقله، لا لما صنعه الواقع.
ولأن الخيال لا يعرف حدودًا، فإنه يتغذى على الفراغ. كلما خلا العقل من العمل، بدأ الخيال يملأ المساحات الفارغة بقصص لا نهاية لها. في الليل، حين يسكن كل شيء، يستيقظ هذا الراوي الخفي ليؤلف روايات كاملة، بطلها الإنسان نفسه، وضحيتها راحته النفسية.
كم من شخص لم ينم لأنه تخيل فشلًا لم يقع؟ وكم من علاقة انتهت بسبب سوء ظن صنعه الخيال؟ وكم من فرصة ضاعت لأن صاحبها تخيل أنه لن ينجح؟ ليست المشكلة في الواقع، بل في الصورة التي رسمها العقل عنه.
الخيال المفرط يجعل الإنسان يعيش المستقبل قبل أوانه، لكنه يعيشه بأسوأ نسخة ممكنة. يتوقع المرض قبل أن يمرض، ويتوقع الخسارة قبل أن يخسر، ويتوقع الرفض قبل أن يتقدم، فيتعب من أحداث لم تقع، وربما لن تقع أبدًا.
ومن أخطر آثار الخيال أنه يسرق اللحظة الحاضرة. فبدل أن يستمتع الإنسان بما يملك، ينشغل بما قد يفقده. وبدل أن يعيش يومه، يقضي عمره متنقلًا بين ندم على الماضي وخوف من المستقبل، بينما الحاضر يمر أمامه بصمت حتى يختفي.
ولا يقتصر ضرر الخيال على الخوف وحده، بل يمتد إلى بناء صورة زائفة عن الذات. فقد يتخيل الإنسان أنه أقل من الجميع، أو أنه فاشل، أو أنه لا يستحق النجاح، فيبدأ بالتصرف وفق هذه الصورة حتى تصبح واقعًا صنعه بنفسه. وهكذا تتحول الفكرة الوهمية إلى سلوك، ثم إلى عادة، ثم إلى شخصية كاملة.
وفي المقابل، قد يدفع الخيال بعض الناس إلى تضخيم ذواتهم، فيعيشون داخل أوهام العظمة، ويعتقدون أن الجميع يراقبهم أو يحسدهم أو يفكر فيهم، بينما الحقيقة أن معظم الناس منشغلون بحياتهم أكثر مما هم منشغلون بغيرهم.
ولعل أكثر ما يؤلم أن الخيال يستطيع أن يصنع جراحًا لا يستطيع الواقع نفسه أن يصنعها. فالكلمات التي لم تُقل قد تؤلم، والمواقف التي لم تحدث قد تترك أثرًا، والقصص التي لم تقع قد تزرع الخوف في القلب. وهكذا يصبح الإنسان سجينًا لشيء لا وجود له إلا في ذهنه.
وليس معنى ذلك أن الخيال شر مطلق، بل إن المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما يتخيله وما يعيشه. فالخيال في مكانه الصحيح هو وقود الإبداع، لكنه خارج حدوده يصبح وقود القلق والوسواس والتردد.
العقول العظيمة استخدمت الخيال لتغيير العالم، أما العقول المنهكة فاستخدمها الخيال لتغيير نظرتها إلى العالم. الفرق ليس في الخيال نفسه، بل فيمن يقوده. هل الإنسان هو الذي يقود خياله، أم أن الخيال هو الذي يقود الإنسان؟
إن الواقع، مهما كان قاسيًا، يبقى أرحم من خيال منفلت. فالواقع له حدود، أما الخيال فلا يعرف نهاية. الواقع يمنح الإنسان فرصة للتعامل معه، أما الخيال فيخلق معارك لا يمكن الانتصار فيها لأنها لا تنتهي أصلًا.
ولهذا، فإن الحكمة ليست في قتل الخيال، بل في تهذيبه. أن نجعله وسيلة للإبداع لا مصنعًا للمخاوف، وأن نحلم دون أن نهرب من الواقع، وأن نتوقع الخير كما نتوقع الشر، وأن نمنح الحقائق مكانتها قبل أن نسلم زمام حياتنا للأوهام.
في النهاية، قد يكون أخطر سجن يدخل إليه الإنسان هو السجن الذي يبنيه داخل رأسه. جدرانه ليست من حجر، بل من أفكار، وأبوابه ليست من حديد، بل من مخاوف، وحارسه ليس شخصًا آخر، بل خياله حين ينسى حدوده. وعندما يدرك الإنسان أن كثيرًا مما أتعبه لم يكن حقيقة، وإنما قصة كتبها عقله، يبدأ أول طريقه نحو الحرية. فالعدو الحقيقي ليس الخيال نفسه، وإنما الاستسلام له حتى يصبح هو من يكتب حياتنا بدلًا منا.


