الجيش الذي انتصر على نفسه! أغرب معركة في التاريخ لم يكن فيها عدو
هل تتخيل أن تستيقظ صباحًا، ترتدي درعك، تحمل سلاحك، تودّع رفاقك، وتستعد لخوض معركة قد تغيّر مجرى التاريخ... ثم تكتشف في النهاية أن الشخص الذي كنت تطلق عليه النار طوال الليل هو زميلك في الجيش؟
قد تبدو الفكرة وكأنها مشهد من فيلم كوميدي، لكنها واحدة من أغرب القصص التي نُسبت إلى التاريخ العسكري، وهي قصة معركة كارانسيبيش عام 1788، التي تحولت من استعداد لمواجهة الجيش العثماني إلى فوضى انتهت بأن قاتل الجيش نفسه، بينما كان العدو الحقيقي لا يزال في طريقه.
في ذلك الوقت، كانت الإمبراطورية النمساوية تستعد لخوض حرب ضد العثمانيين. وكان جيشها يضم عشرات الآلاف من الجنود المنتمين إلى قوميات مختلفة، يتحدثون لغات متعددة، حتى إن التواصل بينهم كان معركة بحد ذاته. ولو طلب أحد الضباط كأس ماء، فمن المحتمل أن يفهمه جندي آخر على أنه أمر بالهجوم!
في إحدى الليالي، خرجت مجموعة من فرسان الجيش لاستطلاع المنطقة بحثًا عن أي أثر للقوات العثمانية. لكن بدلًا من العثور على العدو، عثروا على مجموعة من باعة الخمر. وهنا اتخذت الليلة منعطفًا لم يكن موجودًا في أي خطة عسكرية.
اشترى الفرسان بعض البراميل، وجلسوا يحتفلون ويشربون وكأن الحرب أُجّلت إلى إشعار آخر.
وبعد قليل، وصلت مجموعة أخرى من الجنود، وطالبوا بنصيبهم من الشراب. رفض الفرسان، فتحول النقاش إلى شجار، ثم إلى عراك، ثم خرجت رصاصة من أحد البنادق... وهنا بدأت الكارثة.
وسط الظلام، سمع أحد الجنود صوت إطلاق النار، فصرخ بأعلى صوته:
"الأتراك! الأتراك!"
كانت تلك الصرخة كافية لتحويل معسكر كامل إلى فوضى لا توصف.
لم يتأكد أحد من وجود العدو، ولم يفكر أحد في السؤال، فالجميع قرر أن يطلق النار أولًا، ثم يفكر لاحقًا.
بدأ الجنود يطلقون الرصاص في كل اتجاه، بينما كان آخرون يركضون هربًا من رصاص زملائهم، معتقدين أنه رصاص العثمانيين.
وأصبح المشهد أقرب إلى فيلم أكشن أخرجه شخص لم يقرأ السيناريو.
الجندي يطلق النار لأنه رأى ظلًا يتحرك.
وصاحب الظل يرد بإطلاق النار لأنه ظن أن العدو اكتشف مكانه.
وضابط يحاول إيقاف الجميع، لكن أحدًا لا يفهم لغته، فيستمر إطلاق النار وكأن أوامره كانت: "استمروا!"
أما الخيول، فلم تكن أقل ارتباكًا من البشر، فانطلقت تركض بين الجنود، تقلب العربات وتزيد الفوضى، حتى أصبح من المستحيل معرفة من يطارد من.
واستمرت هذه المسرحية العسكرية لساعات طويلة، بينما كان الجيش العثماني... غير موجود أصلًا.
وفي صباح اليوم التالي، وصلت القوات العثمانية إلى المنطقة، لتجد أن خصمها أنجز المهمة بنفسه، ولم يترك لها سوى مشاهدة آثار الفوضى.
لهذا أصبحت معركة كارانسيبيش واحدة من أشهر القصص التاريخية غرابة، فهي تذكّرنا بأن الخوف وسوء التواصل قد يكونان أخطر من أي جيش، وأن أعظم الهزائم قد تبدأ أحيانًا برصاصة أُطلقت في الوقت الخطأ، وصيحة فهمها الجميع بطريقة خاطئة.
ورغم أن المؤرخين يختلفون حول دقة بعض تفاصيل هذه الحادثة، فإنها بقيت رمزًا للفوضى العسكرية، ودليلًا على أن أسوأ عدو قد لا يكون الذي يقف أمامك... بل الارتباك الذي تصنعه بنفسك.

