الحرب التي خسرتها دولة... أمام طيور
تخيل أنك تستيقظ صباحًا، تفتح الأخبار، فتقرأ العنوان التالي:
"الجيش يستعد لخوض معركة شرسة ضد... طيور!"
ستضحك بالتأكيد، وربما تظن أن أحدهم اخترق الموقع ونشر مزحة ثقيلة. لكن المفاجأة أن هذا الخبر كان حقيقيًا، بل إن الدولة التي خاضت تلك الحرب كانت أستراليا، أما العدو فكان طائرًا طويل الساقين يُدعى الإيمو.
نعم... جيش كامل، جنود مدربون، رشاشات، وخطة عسكرية... في مواجهة مجموعة من الطيور التي يبدو أن شعارها كان: "إذا لم تستطع الطيران، فأربك خصمك!"
بدأت القصة عام 1932، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بسنوات. مُنح عدد من الجنود الأستراليين أراضي زراعية ليبدؤوا حياة جديدة، لكنهم اكتشفوا أن هناك سكانًا سابقين للأرض لا يفكرون في الرحيل. أكثر من عشرين ألف طائر إيمو قررت أن تلك المزارع هي أفضل مطعم مفتوح في البلاد.
كانت الطيور تدخل الحقول وكأنها زبائن في بوفيه مجاني، تأكل المحاصيل، وتحطم الأسوار، ثم تغادر بكل هدوء، تاركة المزارعين ينظرون إليها بعجز. وبعد أن كثرت الشكاوى، قررت الحكومة إرسال الجيش لإنهاء المشكلة.
وهنا يبدأ الجزء الذي يجعل التاريخ يضحك حتى اليوم.
وصل الجنود ومعهم الرشاشات، وربما كانوا يتوقعون أن تنتهي المهمة خلال ساعات. لكن طيور الإيمو كان لها رأي آخر. ما إن يبدأ إطلاق النار حتى تتفرق الطيور في جميع الاتجاهات بسرعة مذهلة، وكأن أحدها كان يصرخ: "انتشروا... الخطة رقم واحد!"
كانت الطيور تركض بسرعة تقارب خمسين كيلومترًا في الساعة، وتغير اتجاهها باستمرار، فلا يستطيع الجنود إصابة إلا عدد قليل منها، بينما يهرب الباقي وكأنهم تدربوا في أكاديمية عسكرية سرية.
في إحدى المحاولات، وضع الجنود رشاشًا على شاحنة لمطاردة الطيور. بدت الفكرة رائعة... حتى بدأت الشاحنة تقفز فوق الطرق الوعرة، فأصبح التصويب مستحيلًا، وانتهت المطاردة وكأنها مشهد كوميدي أكثر منها عملية عسكرية.
كلما ظن الجيش أنه اقترب من النصر، كانت الطيور تختفي، ثم تعود في اليوم التالي لتلتهم المحاصيل وكأن شيئًا لم يحدث. تخيل شعور الجندي الذي يقضي يومه يطارد طائرًا، ثم يراه في الغد يأكل القمح أمامه بكل ثقة!
وبعد أسابيع من المحاولات، اضطرت الحكومة إلى إنهاء العملية. لم يقف أحد ليعلن رسميًا: "لقد هزمنا." لكن التاريخ تكفل بالمهمة، وأصبحت القصة تُعرف بين الناس باسم حرب الإيمو، ويقال مازحًا إن الطيور خرجت منها منتصرة.
والحقيقة أن الإيمو لم يكن أذكى من البشر، لكنه كان أسرع وأكثر انتشارًا، لذلك لم تنجح الحلول العسكرية في التعامل معه.
ربما يكون أغرب درس تعلمناه من هذه القصة هو أن امتلاك الأسلحة لا يعني دائمًا الفوز، وأن الطبيعة تستطيع أحيانًا إحراج أقوى الجيوش بطرق لا تخطر على البال.
وفي المرة القادمة عندما تسمع شخصًا يقول إنه خسر معركة سهلة، لا تسخر منه بسرعة... فهناك دولة كاملة دخلت حربًا ضد طيور، وما زال الناس يبتسمون كلما تذكروا تلك القصة بعد أكثر من تسعين عامًا.

